وصف الطبيعه في العصر الاموي ..


وصف الطبيعة 



كانت الطبيعة دائماً ملهماً بالغ التأثير في نفسية الشاعر العربي ، فقد مضى الجاهليون يصدرون عنها في أشعارهم ، ولم يتركوا كبيرة ولا صغيرة في صمتها ولا في حركتها دون أن يرسموها في أشعارهم ، فهم يصورون صحاريها بكثبانها ورمالها وغدرانها وأمطارها وسيولها ونباتها وحيوانها وطيرها وزواحفها وهواجرها ، وما قد ينزل في بعض مرتفعاتها وأطرافها من البرد وقوارصه .

وقد مضى الشاعر الأموي على سنة أسلافه يستلهم الصحراء ، مزاوجاً على شاكلتهم بين حب الطبيعة وحب المرأة ، إذ يفتتح في  مطولاته بوصف أطلال الديار التي قضى بها شبابه مع بعض صواحبه ، ويسترسل في الحديث عن ذكريات حبه . ثم يتحدث عن رحلته في الصحراء على ناقته فيسهب في وصفها لما لها من جمال في نفسه ، ويسهب في وصف الفرس إن كان فارساً ، وهو يحدثنا عن كل ما تقع عليه عيناه في الصحراء .

وعلى الرغم من أن معظم الشعراء في هذا العصر قد عاشوا في بيئات متحضرة ، فإن الصحراء ظلت ملهمهم الأول في أشعارهم ، على نحو ما نجد عند فطاحلهم كالفرزدق والأخطل وجرير الذين آثروا البيئة الصحراوية البدوية على طبيعة البيئات الجديدة .

وليس معنى هذا أنهم لم يفسحوا للبيئات الجديدة في أشعارهم ، بل معناه أن الطبيعة الصحراوية هي التي كانت تستولي على ملكاتهم ، وبعدها كانوا يتأملون طبيعة الأقاليم الجديدة ويصفون ما بها من جبال وثلوج وأنهار وما نبت على ضفافها من زرع وزيتون وأعناب . وبالتالي فهم لم يغمضوا أعينهم عن مناظر البيئات الجديدة ، فقد كانوا يسجلونها بين الحين والحين .





ذو الرُّمة :

هو غيلان بن عقبة العدوي ، والرُّمة : القطعة البالية من الحبل لقب بها لأنه كان يتفزع وهو صغير فأتت به أمه مقرئ قبيلته الحُصين بن عبدة فكتب له تعويذة علقتها برمة على يساره ، فلما كبر ألم بخباء ميّة التي شغف بها فيما بعد وكانت على كتفه ، فطلب منها أن تسقيه فأتته بالماء وقالت : اشرب يا ذا الرمة .

ولد بصحراء الدهناء بالقرب من بادية اليمامة سنة 77هـ ، كان ذكياً حاد الذكاء وكنزاً من كنوز العلم بالشعر واللغة  . شغف بشعر الراعي النميري وقيل أنه راويته ، ولعله الذي ألهمه وصف الصحراء . ولم يبلغ مبلغ فحول عصره في المديح والهجاء ، بل برز في وصف الطبيعة والحب ، وملهمته في ذلك مية .

وهو أبرز شاعر في الوصف ، عشق الصحراء وأيامها ولياليها ورمالها ونباتها وحيوانها ، ووصف الحيوان وجعله شريكاً مقاسماً له وصور أحواله النفسية واستأنس به عكس جميع الشعراء الذين اعتبروه وحوشاً وأعداء وصيداً ، إذ عاش في الصحراء ومات على ناقته سنة 117هـ .



البائية وقيمتها :

ـ قال عنها هشام بن عبد الملك : " لو أدركتها العرب في الجاهلية لسجدت لها "

ـ ظل ذو الرمة يزيد في هذه القصيدة حتى مات ، فهي من عيون شعره ولها أثر خاص في نفسه ، كان ينشدها بمربد البصرة وعليه بُرد قيمته مائتا دينار ودموعه تجري على لحيته .

ـ يقول ذو الرمة : " من شعري ما طاوعني فيه القول وساعدني ، ومنه ما أجهدت نفسي فيه ، ومنه ما جننت به جنوناً ، أما ما جننت به جنونا فقولي : ما بال عينك منها الماء ينسكب "

ـ حسده جرير عليها فقال : " ما أحببت أن ينسب إلي من شعر ذي الرمة إلا قوله : ما بال عينك منها الماء ينسكب ، فإن شيطانه كان فيها ناصحاً " . وقال : " لو خرس ذو الرمة بعد هذه القصيدة لكان أشعر الناس " .

ـ اهتم كبار العلماء بشرح ديوان ذي الرمة ، وصبوا اهتمامهم على هذه القصيدة لأنها واجهة الديوان ، ومنهم من أفردها بالشرح لتعقب غريبها ، وتفسير المشكل من معانيها وإعرابها .

وفيما يلي أبيات من القصيدة الأولى في ديوانه ، اختص محبوبته منها بنحو عشرين بيتاً ، ثم مضى في نحو مائة بيت يصف ثلاثة مشاهد رائعة من مشاهد الصحراء التي تبهج نفسه . وهو في كل هذا يبث الحيوان مشاعر الإنسان وما يعتريه من وساوس وهواجس :

ـ الأول مشهد أُتن الوحش وحمارها وهو يقودها في يوم حار إلى ماء بعيد .

ـ الثاني مشهد ثور الوحش في كُناسِه مكتناً من المطر .

ـ الثالث مشهد ظليم يرعى مع صاحبته بعيداً عن أفراخهما في يوم عاصف .



1ـ ما  بالُ عَينِكَ  مِنها  الماءُ  يَنسَكِبُ       كـَأَنَّهُ  مِن  كُلى  مَفرِيَّة  سَرِبُ

2ـ أَستَحدَثَ  الرَكبُ عَن أَشياعِهِم خَبَرا       أَم راجَعَ القَلبَ مِن أَطرابِهِ طَرَبُ

3ـ لا  بَل  هُوَ  الشَوقُ مِن دارٍ تَخَوَّنَها       مَرّا  سَحابٌ  وَمَرّا بارِحٌ تَرِبُ

4ـ  يَبدو  لِعَينَيكَ  مِنها  وَهيَ   مُزمِنَةٌ       نُؤيٌ  وَمُستَوقَدٌ  بال وَمُحتَطَبُ

5ـ  دِيارُ   مَيَّةَ   إِذ   مَيُّ     تُساعِفُنا       وَلا يَرى مِثلَها عُجمٌ وَلا عَرَبُ

6ـ  بَرّاقَةُ   الجيدِ   وَاللَبّاتِ   واضِحَةٌ       كَأَنَّها  ظَبيَةٌ  أَفضى  بِها لَبَبُ

7ـ   تُريكَ   سُنَّة  وَجهٍ   غَيرَ  مُقرِفَة       مَلساءَ لَيسَ بِها خالٌ وَلا نَدَبُ

8ـ كَحلاءُ  في  بَرَجٍ  صَفراءُ في نَعَجٍ       كَأَنَّها  فِضَّةٌ  قَد  مَسَّها  ذّهَبُ

9ـ تِلكَ  الفَتاةُ  الَّتي   عُلِّقتُها   عَرَضاً       إِنَّ  الكَريمَ وَذا الإِسلامِ يُختَلَبُ

10ـ لَيسَت  بِفاحِشَةٍ  في  بَيتِ  جارَتِها       وَلا  تُعابُ  وَلا  تُرمى بِها الرِيَبُ

11ـ إِن  جاوَرَتهُنَّ  لَم  يَأخُذنَ  شيمَتَها       وَإشن وَشَينَ بِها لَم تَدرِ ما الغَضَبُ

12ـ صَمتُ الخَلاخيلِ خَودٌ لَيسَ يُعجِبُها       نَسجُ الأَحاديثِ بَينَ الحَيِّ وَالصَخَبُ



المعاني العامة :

1ـ الكلى : القربة .        مفرية : مثقوبة .    سرب : سائل . وفي البيت استفهام خرج إلى معنى استنكار البكاء بتلك الكثرة . وقد شبه كثرة بكاء العين بانصباب الماء من القربة المثقوبة . ويقال أنه دخل على عبد الملك بن مروان ينشده هذه القصيدة وكان به مرض في عينه فظن أن يقصده بهذا البيت . لكن ذا الرمة خاطب نفسه على سبيل التجريد . ولم يكن شاعر عربية يكثر من وصف دموعه كما أكثر ذو الرمة ، وعبثاً كان يحاول أن يطفئ بها نيران الحب المندلعة في قلبه لمية .

       نجد في القربة دلالة بيئية خاصة تشكل هاجسه بقلة الماء في الصحراء .

2ـ يتساءل : هل أتتك أخبار عن مية أم أن سروراً انتاب القلب لتذكرها فقط . وفي الطرب دلالة خاصة فهو محاولة للخروج من حالة الحزن إلى حالة السرور .

3ـ تخونها : غير معالمها . مراً : مصدر مرَّ يمُرُّ .     بارح : الرياح الحارة .     ترب : كثيرة التراب .       يطرح السبب الرئيسي وهو الشوق حينما رأى الديار قد تبدلت ملامحها بفضل المطر والرياح الحارة ، فالمطر ينحت والتراب يغطي .

4ـ مزمنة : مضى عليها زمن طويل .    نؤي : ما يحفر حول الخيمة لحجز السيل . يعدد الأمور التي بقيت في الدار ، حاجز السيل ، ومكان الموقد ، ومكان الحطب .

وفي النؤي دلالة خاصة على حالة العزلة التي يعيش فيها ، فهو في انغلاق على نفسه في الصحراء .

5ـ تساعفنا : تجاوزنا وتدانينا .   يوضح أن هذا هو ما بقي من دار مية ، وبالغ في وصفها بالجمال ، إذ لا يشبهها في خلقها أحد .

6ـ الجيد : العنق .  اللبات : موضع تعليق القلادة .     أفضى : سار بها إلى الفضاء . لبب : ما استرق من الرمل . وقيل مكان في الدهناء . يشبه مية بالظبية التي برزت فجأة من وراء الرمال ، فالتعبير يفيد الحركية وفجائية الظهور لوجهها ونحرها وجيدها .

7ـ سنة : صورة .  مقرفة : هجينة .     يستثني مية من بعض ما يصيب بنات العرب من الجدري والبثور .

8ـ برج : سعة وصفاء بياض العين .    نعج : بياض خالص للبشرة . فهي بيضاء بياضاً مشاباً بحمرة ، وهو بياض عربي خالص ليس كبياض الروميات الشاحب ، لذلك شبهها بالفضة التي مسها الذهب . وقد يكون من لون صفرة الزعفران والطيب الذي تدهن به نساء الجاهلية أجسادهن تطيباً وتزيناً .

       وفي البيت تقسيم يولد إيقاعاً موسيقياً يوضح أن الشاعر عند هذا المقطع قد بلغ غاية الطرب بذكر مية . وفيها عنصر لوني بارز وهو لون ممزوج وليس بسيطاً . والفضة والذهب رمز للغنى ، ففيه دلالة خاصة على إحساسه بالفقر وتمنيه الغنى إذ لم يرتحل إلى الخلفاء تكسباً .

       والأبيات من 5-8 أوصاف حسية شكلية لمية .

9ـ يختلب : يتعفف .

10ـ لا يمكن أن ينقصها أحد بخلف رذيل ، ولا تستطيع النساء غيبتها بشيء .

11ـ شيمتها : خُلُقها .      ندرة أخلاق مية بحيث  لا يستطعن اكتسابها ، وهي مبالغة في كمالها .

12ـ ضمت الخلاخيل : قليلة الخروج والسعي ، وهي كناية عن قلة خروجها .        خود : كريمة .     نسج الأحاديث : القيل والقال .   الصخب : الصوت العالي .

       والأبيات من 10-12 أوصاف خُلُقية .



الملامح العامة :

يلاحظ أنه قد بدأ بالنسيب قبل وصف الطلل . فالأبيات 1-3 نسيب يبين أحاسيسه تجاه المحبوبة . والأبيات 4-5 وصف للطلل . وهو بذلك يخالف الشعراء الذين يستلهمون البكاء من الأطلال . فربما كان شعوره وشوقه طاغياً لذلك بدأ به .

       نستشف من خلال هذه الأبيات أن الشاعر يجود قصائده فهو من شعراء الصنعة ، وقد صرح في بعض أشعاره بأنه يسهر لينقح القصائد . ومن علامات الصنعة في هذه الأبيات : التشبيهات ، اختيار الألفاظ، مزج الألوان ، تقارب المخارج .

       القافية البائية المضمومة قافية شديدة قوية يعبر بها عن شدة معاناته مع تجلده وصبره الواضح .

****************

تعليقات

المشاركات الشائعة